في 30 مايو عام 1956، أقامت الصين ومصر العلاقة الدبلوماسية بشكل رسمي، مما فتح عهدا جديدا للتعاون الودي بين البلدين، وشكل بداية للعلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية والإفريقية. اليوم، لقد مضى سبعون عاما على هذه الصداقة الممتدة عبر قارتي آسيا وإفريقيا. خلال هذه الفترة، تلتزم الصين ومصر بالثقة المتبادلة والمنفعة المتبادلة والمساعدة المتبادلة، وزاد التفاهم والتقارب والاعتماد المتبادل بين البلدين، وأصبحا نموذجا يُحتذى به للعلاقات الودية بين الدول.
يُعدّ التضامن والتآزر أثمن التقاليد لهذه العلاقة. ترجع الصداقة الصينية المصرية إلى زمن بعيد، قبل أكثر من ألفي عام، ربط طريق الحرير القديم بين الشعبين بشكل وثيق. في العصر الحديث، تضامن وتعاون الشعبان في النضال ضد الاستعمار والهيمنة. خلال حرب السويس في أكتوبر عام 1956، أعرب الرئيس ماو تسي تونغ بوضوح عن دعم الصين الثابت للرئيس جمال عبد الناصر لاستعادة قناة السويس، وقدمت الصين، رغم صعوبتها الاقتصادية آنذاك، مساعدات بدون مقابل إلى مصر بقيمة 20 مليون فرنك سويسري، كما أطلقت "دبلوماسية القطن" لمساعدة مصر على كسر الحصار الاقتصادي الغربي، وخرج أكثر من 400 ألف مواطن صيني في بكين في مظاهرات عفوية دعما لمصر، الأمر الذي يشكل تجسيدا حيا للصداقة بين البلدين. في نهاية عام 1963، قام رئيس مجلس الدولة الصيني تشو آنلاي بأول جولة خارجية له إلى عشر دول إفريقية، وكانت مصر المحطة الأولى، حيث منحه الرئيس جمال عبد الناصر "وسام الجمهورية"، معربا عن إعجابه بروحه الثورية. في المقابل، عندما تحتاج الصين إلى الدعم، تقف مصر دائما وبثبات إلى جانب العدالة وإلى جانب الأصدقاء. في عام 1971، قدمت مصر دعما قويا للصين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصوتت لصالح استعادة الصين الجديدة مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة. استعراضا لتلك السنوات غير العادية، تفسر الصين ومصر معنى المشاركة في السراء والضراء بالأفعال الملموسة، وتتعزز العلاقة بينهما خلال النضال المشترك، وتصبح الأساس الروحي لتناقل هذه الصداقة جيلا بعد جيل.
تُعد قيادة الرئيسين ضمانا أساسيا لهذه العلاقة. منذ دخول العصر الجديد، حققت العلاقات الصينية المصرية قفزة كبيرة بفضل القيادة الاستراتيجية من قبل الرئيسين. وتربط بين الرئيس شي جين بينغ والرئيس عبدالفتاح السيسي صداقة عميقة، حيث تقابلا 13 مرة لغاية اليوم، مما رسم مخططا جميلا لمستقبل العلاقات الثنائية. في عام 2014، قام الرئيس عبدالفتاح السيسي بزيارة الدولة إلى الصين بُعيد توليه المنصب، واتفق الجانبان على رفع العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة؛ في عام 2016، اختار الرئيس شي جين بينغ مصر كأول محطة له في الشرق الأوسط والعالم العربي بعد توليه المنصب، مما دفع العلاقات الصينية المصرية إلى مستوى جديد. في عام 2024، أصدرت الصين ومصر بيانا مشتركا، وأصبحت مصر أول دولة عربية تُدرج هدف بناء مجتمع المستقبل المشترك في البيان المشترك حول العلاقات الثنائية، الأمر الذي يعكس بوضوح الطابع الاستراتيجي والمستوى الرفيع للعلاقات بين البلدين. اليوم، تتمتع الصين ومصر بثقة استراتيجية راسخة، وتدعمان بقوة المصالح الجوهرية والانشغالات الكبرى للجانب الآخر، وتعززان تبادل الخبرات في مجال الحكم والإدارة، ويتقدم التواصل والتعاون رفيع المستوى بين الحكومتين والأجهزة التشريعية والأحزاب والحكومات المحلية وجمعيات الصداقة بخطوات متزنة، وتشهد العلاقات الثنائية أفضل مراحلها في التاريخ.
يعد التعاون متبادل المنفعة أقوى محرك لهذه العلاقة. في هذا السياق، كانت مصر من أوائل الدول المنضمة إلى مبادرة "الحزام والطريق"، ويتمتع البلدان بمزايا التكامل الصناعي وكثرة المصالح المشتركة، فحقق التعاون العملي بينهما إنجازات مثمرة في كافة المجالات، وسجل العديد من "الرقم الأول"، حيث تبقى الصين كأكبر شريك تجاري لمصر لمدة 14 عاما متتاليا، وكانت مصر أول دولة من إفريقيا والشرق الأوسط تتعاون مع الصين في إصدار "سندات الباندا"، وشيدت الشركات الصينية في مصر "أعلى برج في إفريقيا" وأول سكك حديدية كهربائية في إفريقيا وأكبر قاعدة لإنتاج الألياف الزجاجية في إفريقيا. كما ساعدت الصين مصر في صناعة القمر الاصطناعي "مصر سات 2"، وجعلت مصر أول دولة إفريقية تمتلك قدرات متكاملة لتجميع واختبار الأقمار الاصطناعية. ونجحت منطقة تيدا للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر في السويس في ابتكار نموذج التعاون الجديد المتمثل في "الاستثمار الصيني + التصنيع المصري + التصدير”، وقدمت مساهمة كبيرة في زيادة الصادرات المصرية وتطوير الصناعات المحلية، الأمر الذي يحظي بتقدير عال من الرئيس عبدالفتاح السيسي. كما يعمل الجانبان على توسيع التعاون في المجالات الناشئة مثل الطاقة الجديدة والسيارة الكهربائية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. ويمكن القول إن التعاون عالي الجودة بين البلدين في بناء "الحزام والطريق" يركز دائما على حاجات مصر للتنمية، ويدعم مسيرة مصر الوطنية نحو الحداثة، ويجعل الأبناء المحليين يشعرون بالكسب والسعادة بشكل حقيقي. في 1 مايو هذا العام، تمكن 516 طنا من البرتقال المصري الطازج من إتمام إجراءات التخليص الجمركي بسرعة قياسية في شنغهاي، وأصبح أول دفعة من الصادرات الإفريقية التي دخلت السوق الصينية بعد سريان سياسة صفر الجمارك تجاه إفريقيا. ومع استمرار هذه السياسة، ستوفر السوق الصينية الضخمة مزيدا من الفرص والعوائد للشعب المصري.
يُعد التبادل الحضاري أعمق رابطة لهذه العلاقة. يكمن أساس التفاهم بين الصين ومصر في الحضارة، وتكمن قوة التعاون بين البلدين في الشعبين. كحضارتين عريقتين في العالم، تحترم الصين ومصر تنوع الحضارات، وتعملان على تطبيق مبادرة الحضارة العالمية، وتدفعان بروح الانفتاح والشمول التعاون في مجالات التعليم والثقافة والآثار والسياحة ليتطور بشكل حيوي. في السنوات الأخيرة، يزداد "حماس الثقافة الصينية" في مصر باستمرار، ودخلت اللغة الصينية منهاج التعليم الوطني لمصر، ووجدت الفعاليات الثقافية مثل "عيد الربيع السعيد" و"الشاي والعالم" و"أسبوع الأفلام الصينية" إقبالا واسعا من الشعب المصري. ويذهب عدد متزايد من الشباب المصري إلى الصين للدراسة، سعيا لتناقل وتعزيز الصداقة الصينية المصرية. في المقابل، تحظى مصر، بتراثها الثقافي المتنوع ومناظرها الطبيعية الفريدة، بإعجاب كبير لدى الشعب الصيني، حيث تجاوز عدد السياح الصينيين إلى مصر 300 ألف في عام 2025، واستقطب معرض الحضارة المصرية القديمة في الصين قرابة ثلاثة ملايين مشاهد، ويقوم الفريق الصيني المصري المشترك بالتعاون في مجال تنقيب الآثار في سقارة وغيرها من المواقع، بما يكتب فصلا جديدا من الحوار بين الحضارات. كما تضطلع الصين ومصر، كعضوين مهمين في الجنوب العالمي، بمسؤولية مهمة للدفاع عن التعددية، حيث تعملان على صون النظام الدولي المتمحور على الأمم المتحدة والمنظومة الدولية القائمة على القانون الدولي، وتتعاونان بإخلاص في إطار منتدى التعاون الصيني العربي ومنتدى التعاون الصيني الإفريقي ومجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون وغيرها من المحافل متعددة الأطراف، لإيجاد حلول سياسية للقضايا الإقليمية الساخنة وصون المصالح المشتركة للدول النامية.
يقول المثل الصيني: "الصداقة العريقة كالذهب الخالص، لا يتغير لونها مهما تعرضت للصهر". كما يقول المثل العربي: "الصداقة الحقيقية لا نهاية لها، والصديق الحقيقي باق إلى الأبد". بعد سبعين عاما من الاختبارات، تزداد الصداقة الصينية المصرية متانة وحيوية، وتستحق كل الاعتزاز من الجانبين. عند نقطة انطلاق جديدة، تحرص الصين على العمل مع مصر لتحقيق الهدف الأصلي عند إقامة العلاقة الدبلوماسية، والتقدم سويا إلى الأمام، وجعل البلدين أخوين عزيزين وشريكين طيبين وصديقين حميمين يربطهما الدعم المتبادل والتعاون متبادل المنفعة والتنسيق الوثيق في المحافل متعددة الأطراف، والعمل سويا على تنفيذ المبادرات العالمية الأربع، ودفع العلاقات الثنائية نحو هدف بناء المجتمع الصيني المصري للمستقبل المشترك في العصر الجديد، وخلق مستقبل مشرق للصداقة الصينية المصرية.
بقلم السيد / لياو ليتشيانغ سفير الصين لدى مصر ومندوب الصين لدى جامعة الدول العربية